التطورات الجيوسياسية وصراع العملات مؤثرات تضرب الاقتصاد العالمي

التطورات الجيوسياسية وصراع العملات مؤثرات تضرب الاقتصاد العالمي

تنتج عدم اليقين وضبابية المشهد والحذر والترقب لدى المستثمرين

تاريخ النشر: السبت 22 أبريل 2017

أبوظبي (الاتحاد)

أكد خبراء اقتصاديون، أن الاقتصاد العالمي يتعرض لمخاطر عديدة خلال الفترة الحالية والسنوات القليلة المقبلة، نتيجة لرباعية متزامنة ومتواصلة تشمل السياسة الأميركية والتطورات الجيوسياسية والانتخابات الرئاسية الفرنسية والانتخابات التشريعية الألمانية، وتنفيذ الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي «البريكست».
وقالوا «تشهد الفترة القليلة المقبلة، ملامح التعامل مع تداعيات سياسة ترامب الاقتصادية حول العالم، وخاصة فيما يتعلق بالحمائية الدولية ومخاطر تعرض الاقتصاد الصيني والألماني والياباني إلى خسائر كبيرة نتيجة السياسة الاقتصادية الأميركية الجديدة مع مخاوف حدوث ضربة أميركية لكوريا الشمالية ستنعكس سلباً على كوريا الجنوبية واليابان والصين».ويأمل هولاء، في التحرك الصيني واستخدام الأوراق المتوفرة لديها في وقف تلك التداعيات الخطرة وفي مقدمتها التهديدات الأميركية لكوريا الشمالية أو التقليل من آثارها.

وللمرة الأولى منذ عام 1981، تثير الانتخابات الرئاسية الفرنسية قلقاً كبيراً في الأسواق ويخشى المستثمرون من نجاح مارين لوبن، زعيمة حزب الجبهة الوطنية، بالفوز بالرئاسة الفرنسية المقررة غداً ما يعزز تصاعد الشعبوية في أوروبا كلها وينعكس بالضرر البالغ على الاقتصاد والحياة بشكل كامل.

وقلل الخبراء من مخاوف تصاعد التيار المتطرف في ألمانيا على الأقل خلال الانتخابات الحالية إلا أنهم لم يستبعدوا أي مفاجآت قد تحدث نتيجة لتصاعد الأعمال الإهابية وتنامي التيار الشعبوي.

اللهجة المتشددة

وفي البداية يقول وضاح الطه، عضو المجلس الاستشاري الوطني في «معهد تشارترد للأوراق المالية والاستثمار»: أدت اللهجة المتشددة التي استخدمها الرئيس الأميركي ترامب منذ قدومه للسلطة إلى رفع مستوى المخاطر الجيوسياسية، ما أدى لزيادة حالة التردد والترقب والحذر من جانب المستثمرين وهو ما ينعكس بدوره على حركة الاقتصاد سواء من إطلاق المشاريع أو توفير فرص العمل وتحقيق الموارد نتيجة للضرائب وزيادة معدلات البطالة وانعكاس كل ذلك على مختلف نواحي الحياة.

مخاطر جديدة

وتابع في تصريحات لـ«الاتحاد» في أبوظبي «إننا أمام نوع جديد من المخاطر لم نعهده من قبل، وقد بدأت مؤشرات تلك المخاطر تظهر من خلال العدوى النفسية للمستثمرين في مختلف الأسواق»، لافتاً إلى أن الحل الآن في يد الصين التي تملك أوراق ضغط سياسية تنعكس مباشرة على الاقتصاد، وفي مقدمة تلك الأوراق الأزمة بين كوريا الشمالية وأميركا، حيث إن النظام المصرفي الصيني هو النظام الوحيد في العالم الذي تتعامل معه البنوك الكورية، معرباً عن اعتقاده بأن الحمائية الأميركية ستكون قائمة ولكن ليس بدرجة شديدة باستثناء موضوع الطاقة.

وأضاف أن الصين تنظر إلى المدى البعيد وتستخدم ورقة كوريا الشمالية كأداة ضغط سياسي للتوصل إلى اتفاق ليس بعيداً عن الاتفاق الاقتصادي الحالي بين الصين وأميركا خاصة فيما يتعلق بالصادرات الصينية، ولا توجد قوة مؤثرة على كوريا الشمالية أكثر من الصين، فضلاً عن دور الصين في بحر الصين الجنوبي وأفريقيا.

توجهات ترامب

من جهته، أشار رضا مسلم الخبير الاقتصادي ، ومدير عام شركة تروث للاستشارات الاقتصادية في أبوظبي، إلى أن توجهات ترامب السياسية تنعكس بصورة مباشرة وسريعة على الاقتصاد العالمي سواء من حيث استخدام الأسلحة المتطورة في مناطق الصراعات أو تصعيد التهديد مع كوريا الشمالية، خاصة أن الصفة الأساسية لـ«ترامب» تتركز في عنصر المفاجأة والقرارات غير المتوقعة، وهو ما يحدث تقلبات في الأسواق العالمية ويوثر سلباً على توجهات المستثمرين ويرفع من درجة الحذر الموجودة حالياً.

الخروج البريطاني

وأضاف مسلم، أن إكمال تنفيذ الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي «البريكست» سيؤدي إلى خفض في قيمة الاسترليني استمراراً لعمليات التراجع أمام الدولار عقب نتائج الاستفتاء المؤيدة للخروج من الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن المستثمرين البريطانيين سيخرجون من أوروبا ويتوجهون إلى منطقة الخليج.

ولفت إلى أن نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية سيكون لها تأثير كبير في مستقبل الاتحاد الأوروبي سواء بالاستمرار أو بالانفصال عنه، وما يعزز فرص اليمين المتطرف نسبة البطالة المرتفعة والإرهاب ومشكلة المهاجرين وهي نفس الأسباب التي أدت للبريكست.

فرص النجاح

وبشأن تداعيات الانتخابات التشريعية الألمانية في سبتمبر المقبل، قلل مسلم من فرص نجاح التيار النازي، مؤكداً استمرار ألمانيا في الاتحاد الأوروبي وحماية الاتحاد من الانهيار من منطلق سياسي واقتصادي.

الدولار في اتجاهين

على صعيد متصل، قال مكتب الدراسات الاستراتيجية في شركة إي.دي.إس سيكيوريتيز- إحدى الشركات الكبري في الخدمات المالية – في تقرير خاص لـ«الاتحاد»: «على صعيد العملات فالدولار الأميركي يسلك اتجاهين في آن معاً ولكن مختلفين ومتنافسين في نفس الوقت كون الاتجاه الأول يعطي الدولار القوة الطبيعية التي يجب أن يكتسبها من البيانات الاقتصادية القوية التي تأتي على أرض الواقع بدءاً من سوق العمل الذي يشهد مستويات بطالة عند 4.5% لم يشهدها منذ 2006 وارتفاع الأجور وانخفاض نسبة الباحثين عن عمل إلى أدنى حدودها».

وتابع التقرير الذي أعده مكتب الشركة في أبوظبي «أصبحت الشركات أمام تحدي ملء الشواغر الوظيفية وتحديداً المحترفة منها، حيث تشير وزارة العمل الأميركية إلى أن هناك أكثر من مليون شاغر وظيفي لأصحاب الكفاءات والمتقدم إليها فقط 800 ألف وهذا معدل تاريخي وقياسي بالنسبة لسوق العمل الأميركي، وصولاً إلى ارتفاع القدرة الشرائية والإنفاق للمستهلك الأميركي الذي تضاعف منذ عامين وحتى اليوم بما انعكس إيجاباً على معدلات التضخم التي وصلت إلى نقطة استهداف الفيدرالي الأميركي للأسعار».

وأضاف: شكلت هذه العوامل مجتمعة واقعاً جديداً أمام الفيدرالي دفعه إلى رفع الفوائد مرتين منذ ديسمبر وحتى اليوم ويلوح برفعها مرتين جديدتين في العام 2017.

ووتابع التقرير «أمام هذا المشهد فمن الطبيعي أن يسلك الدولار الأميركي طريقاً تصاعدياً وهو في الأصل متفوق على العملات الرئيسية بحدود 20% ولكن إذا نظرنا إلى ما يحصل في الاتجاه الثاني الذي يـتأثر به الدولار الأميركي سلباً نرى أن الصورة مختلفة كلياً، حيث إن سياسات ترامب الاقتصادية قلبت الموازين وغيرت مسلك الدولار الأميركي بشكل معاكس تماماً لواقع الاتجاه الأول، فترامب لديه خطة اقتصادية شاملة».

وتتشكل خطة ترامب الاقتصادية من سبعة محاور رئيسية وهي الإنفاق على البنية التحتية، تخفيض الضرائب، توازن العجز التجاري الأميركي، فرض رسوم جمركية على البضائع الأجنبية لتشجيع الصناعة المحلية، إعادة النظر في الاتفاقيات التجارية مع الدول التي تعتبر شريكاً تجارياً أساسياً للولايات المتحدة الأميركية، تعديل قانون أوباما كير، تعديل قانون دود فرانك المالي وتخفيض القيود على البنوك ليكون لديها مرونة في تمويل المشاريع الحكومية والخاصة.

وفي ظل هذا الواقع، لا يستطيع ترامب أن يطبق هذه الخطة والدولار الأميركي مرتفع فهو يحتاج إلى دولار ضعيف كمطلب أساسي لكي ينجح في سياسته الاقتصادية، وهذا ما أوضحه مؤخراً وبشكل قاطع بأن الدولار وصل إلى مستويات قوية ولا يتوافق مع متطلبات الاقتصاد الأميركي وأشار أيضاً إلى أنه يفضل سياسة فوائد منخفضة.

وأما السؤال هنا هو: كيف سيتم التوافق بينه وبين الفيدرالي الأميركي، وهل سيكون هناك انسجام بين الفيدرالي الذي يفضل رفع الفوائد تماشياً مع قوة الاقتصاد أم سيأخذ بعين الاعتبار المصلحة العليا للسياسة الأميركية العامة والتي من الممكن أن تواجه الكثير من التحديات والصعوبات في تطبيقها كما حصل مع مشروع قانون إلغاء «أوباما كير».

الذهب الملاذ الآمن

وفي سياق متصل، قال نزار العريضي الخبير في الشؤون الاستراتيجية الاقتصادية «إن الأسواق العالمية تترقب وتتعامل بحذر مع ما يجري اليوم من توترات جيوسياسية في العلاقة الأميركية الروسية والتهديدات الأميركية لكوريا الشمالية وهنا الملاذات الآمنة كانت المستفيد الأكبر وتحديداً الذهب الذي حقق مكاسب لم يشهدها منذ نوفمبر 2016 وكذلك الين الياباني الذي ارتفاع أمام الدولار الأميركي وباقي العملات الرئيسية».

وتابع «يزيد أيضاً من مخاوف المستثمرين وقلق الأسواق هو الانتخابات الأوروبية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فالمشهد الأوروبي أصبح ضبابياً وغير واضح، فغداً الانتخابات الفرنسية، ومؤشرات استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن في الدورة الأولى، وذلك أكبر تهديد للأسواق المالية لأن لوبن واضحة في سياستها المتطرفة التي لا تعترف بعملة اليورو وتريد إخراج فرنسا من الاتحاد الأوروبي».

كما تتزامن هذه المخاوف مع قرب الانتخابات التشريعية في ألمانيا في شهر سبتمبر، حيث بدأت أحزاب اليمين الرافضة للاتحاد الأوروبي بالظهور ويمكن أن تشكل تهديداً لخسارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، إضافة إلى ذلك تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التي تعتبر التحدي العملي الأول لمستقبل الاتحاد الأوروبي،

وفي حال كان هناك خروج سلس وتم إرضاء الطرفين الأوروبي والبريطاني يمكن أن تتهاوى هذه المخاوف ولكن في حال كان هناك خروج صعب وخسرت بريطانيا مكانتها المالية التي تعتبر ركيزتها الاقتصادية فيمكن أن تلجأ إلى تغيير نموذجها الاقتصادي لترتكز على الاقتصاد الحر وتكون واحة ضريبية جاذبة للاستثمارات ورؤوس الأموال لتستعيد مكانتها المالية وهنا هذا السيناريو سيكون سلبياً على منطقة اليورو وتحديداً العملة المشتركة.

اجتماع الأرجنتين يحدد مسار «الحمائية»

يشكل الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في الأرجنتين، في ديسمبر من العام الحالي، مرحلة أساسية وتاريخية في عمر المنظمة، للوقوف على «الحمائية التجارية» التي تعتزم الإدارة الأميركية تطبيقها، ويترقب العالم مسارات التعاطي الأميركي مع التوترات السياسية والاقتصادية التي يتم إنتاجها بين الحين والآخر، فمخاوف الركود الاقتصادي، والترقب لأزمة طاحنة نتيجة لظلال ما يخشى أن تكون حرباً تجارية بين أميركا من جهة وبين الصين وكندا وأوروبا من جهة أخرى، تحت شعار «الحمائية التجارية للاقتصاد الأميركي»، تصعد وتهبط وفقاً لتصريحات وممارسات الإدارة الأميركية الجديدة.

وتطبيق الحمائية سيقود إلى تغيير جذري للنظام التجاري العالمي، كما سيواجه معارضة شديدة أوروبية وصينية ويابانية وكندية، لذلك لا يمكن تطبيق حماية جمركية واسعة النطاق إلا بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية، وقد أشار ترامب إلى هذا الاحتمال.

ويدور التساؤل حول بداية أزمة اقتصادية جديدة لا تقتصر انعكاساتها على الدول الكبري «الصين وأميركا وأوروبا وكندا والمكسيك»، وإنما ستلقي بظلالها على العالم أجمع، إضافة إلى أن السياسات النقدية والإجراءات الجمركية التي تقود إلى التضخم تؤدي بالضرورة إلى ارتفاع أسعار الفائدة، ويترتب على ذلك تباطؤ الاستثمارات من جهة، وتفاقم خدمة الديون من جهة أخرى، عندئذ يهبط الاستهلاك في جميع أنحاء العالم، ويتراجع النمو ويزداد معدل البطالة ويرتفع مستوى الفقر. ووفق الاتفاقات التجارية المتعددة الأطراف، لا يجوز القيام بعمليات تجارية مبنية على منافسة غير مشروعة، فلا يحق للدول اللجوء إلى الإغراق، أي تصدير سلعة بسعر يقل عن سعرها في السوق المحلية، وفي حالة الإغراق يسمح للدولة المستوردة بفرض رسوم جمركية مرتفعة، كما لا يحق للدول منح إعانات لصادراتها، وفي حالة وجود هذه الإعانات يحق للدولة المستوردة فرض رسوم تعويضية.

وفي جميع الحالات، يفترض ألا تتخذ الدولة المتضررة (المستوردة) إجراءات انفرادية، بل عليها اللجوء إلى جهاز فض المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمية للحصول على قرار بزيادة الرسوم الجمركية، وفق تلك الاتفاقات.

Share this post