مؤشّر الإيجارات يقلّص الشواغر في أبوظبي

مؤشّر الإيجارات يقلّص الشواغر في أبوظبي

«الشؤون البلدية» قدّرتها بنسبة 37%
أبوظبي – عبد الحي محمد-أبوظبي ـ البيان
التاريخ: 28 فبراير 2016
لا تزال ظاهرة الشقق السكنية الشاغرة في أبوظبي التي كشفت عنها دائرة الشؤون البلدية الأسبوع الماضي وقدرتها بنسبة 37% خلال العام الماضي، تثير جدلاً بين مسؤولي كبار شركات التطوير العقاري والوساطة العقارية والخبراء العقاريين، حول أسباب هذه الظاهرة ونتائجها على السوق العقاري في أبوظبي، خاصة في ظل مؤشرات تؤكد على أن السوق غير مقبل على تراجع حقيقي وكبير للإيجارات السكنية والمكتبية خلال الفترة المقبلة.
ويرى خبراء وسماسرة أن ظاهرة الشقق الشاغرة تكشف عن «تعطيش» الملاك الأفراد والشركات للسوق العقاري للحيلولة دون تراجع الإيجارات، بينما يرى الملاك والشركات العقارية أن تقدير حجم هذه الظاهرة مبالغ فيها وأن الطلب على السكن في أبوظبي مازال كبيراً وأن نسب الإشغال تصل إلى 98% مع وجود قوائم انتظار من المستأجرين.
ورغم المبررات التي يبديها كل فريق لرأيه إلا أن هناك اتفاقاً بين الجميع على أهمية سرعة إقرار أبوظبي لمؤشر عقاري يسترشد به الملاك والمسـتأجرون ويحدد القيم العادلة الحقيقية للإيجارات السكنية والمكتبية بما يؤدي إلى استقرار القطاع وتقليص ظاهرة الشقق الشاغرة ودعم أبوظبي كوجهة استثمارية كجذابة للمستثمرين الأجانب.
وظاهرة الشقق الشاغرة ليست جديدة وتتنوع أسبابها إلا أن نسبتها الحالية التي أعلنتها دائرة الشؤون البلدية المعنية بتنظيم القطاع العقاري والرقابة عليه هي الأكبر.
العرض والطلب
يرى رضا مسلم الخبير الاقتصادي الشريك في شركة تروث للاستشارات الاقتصادية في أبوظبي أن النظام الاقتصادي الحر في دولة الإمارات وأبوظبي قائم على آلية العرض والطلب، مؤكداً أن هذه الآلية معطلة في السوق العقاري في أبوظبي بسبب خصوصية القوى الفاعلة المسيطرة على السوق وبصفة خاصة الشركات العقارية الكبرى، حيث تفضل هذه القوى بسبب ملاءتها المالية القوية جداً بقاء الإيجارات السكنية عند مستويات مرتفعة لا تعكس واقع السوق العقاري في أبوظبي.
وينوه إلى أن ممارسات هذه القوى ظهرت واضحة بعد الأزمة المالية العالمية 2008 التي ضربت اقتصادات العالم وأدت إلى تراجع الإيجارات السكنية في دول كثيرة وإمارات أخرى في الدولة بنسب كبيرة إلا أن هذا التراجع لم يظهر في أبوظبي بل كان تراجعاً تدريجياً ونسبياً للغاية ثم ارتفعت الإيجارات مرة أخرى إلى اليوم بدون تراجع.
ويرى أن السوق العقاري في أبوظبي يشهد منذ أكثر من خمس سنوات زيادة في المعروض عن طريق ضخ عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، سواء داخل مدينة أبوظبي أو خارجها خاصة في مناطق مصفح والشهامة وخليفة أ وب وغيرها إلا أن المستأجرين لم يروا نتيجة لهذا المعروض الكبير والذي لم يشهد طلباً أكبر كما كان قبل سنوات 2008 ولم تتراجع الإيجارات بنسب كبيرة كما توقعت مراكز وشركات محلية ودولية للاستشارات العقارية في الدولة.
ويؤكد أن السنوات الأخيرة شهدت دخول شركات عقارية كبيرة وبنوك لسوق الإيجارات في أبوظبي وتملكت أو أدارت عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، وقد ساهمت تلك الشركات والبنوك في رفع الإيجارات السكنية وبقائها على مستويات مرتفعة بسبب قوة هذه الشركات والبنوك المالية، خاصة أن أوضاعها المالية تحسنت بشكل كبير خلال العامين الماضين بعد أن نوعت هذه الشركات المتخصصة في التطوير العقاري في محافظها الاستثمارية وضمت إلىها إيجارات فنادق ومراكز تجارية وغيرها، وقد أثرت هذه الملاءة المالية القوية لهذه الشركات على السوق العقاري بشكل كبير، فعملت على عدم خفض إيجارات وحداتها السكنية.
رفع التضخم
ويشير رضا مسلم للتأثيرات السلبية لاستمرار رفع الإيجارات السكنية والتجارية في أبوظبي، لافتاً إلى أن أهم تأثير رفع نسب التضخم والحد من تنافسية الإمارة كواجهة لجذب الاستثمارات، وعلى سبيل المثال إذا استأجر تاجر محلاً بقيمة إيجارية تصل إلى 200 ألف درهم، بينما قيمته الإيجارية الحقيقية في السوق لا تتعدى 120 ألف درهم فإن هذا التاجر سيحمل الزيادة في القيمة الإيجارية على أسعار السلع أو الخدمات التي يقدمها للمستهلكين مما يؤدي إلى رفع الأسعار وزيادة التضخم.
ويؤكد رضا مسلم أن آلاف الوحدات المغلقة في أبوظبي ظاهرة ليست جديدة بل الجديد هو نسبتها الكبيرة البالغة حالياً 37% مشيراً إلى أن الخبراء والشركات الاستشارية العقارية والاقتصادية كانوا يتوقعون أن تتراجع الإيجارات خلال الربع الأول بعد تراجع أسعار النفط طوال النصف الثاني من العام الماضي وشهري يناير وفبراير إلا أن هذا لم يحدث ومازال غالبية الملاك غير شاعرين على الإطلاق بتأثيرات تراجع أسعار النفط من نحو 100 دولار إلى نحو 33 دولاراً واليوم أسعار النفط تصعد تدريجياً.
لا للتعطيش
ويرفض عمير عرار الظاهري رئيس مجلس إدارة شركة مدائن القابضة العضو السابق لمجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة أبوظبي اتهام الملاك بأنهم يعطشون السوق لرفع الإيجارات، مؤكداً أنه لا يوجد مالك واحد يرفض تأجير وحداته السكنية بل يودون الحصول على أعلى إيجار وفق آلية العرض والطلب.
ويشير رئيس مجلس إدارة شركة مدائن القابضة إلى أن ظاهرة الشقق المغلقة ليست كبيرة، لافتاً إلى وجود أسباب عديدة للإغلاق منها إجراء صيانة للشقق أو إجراء تعديلات على تصاميم الشقق أو عدم وجود الساكن المناسب أو أن تكلفة المبنى مرتفعة، لكن أن يتعمد الملاك إغلاقها لتأجيرها بقيمة مغالى فيها فهذا ليس شائعاً لأنه لا يوجد مالك يعرض نفسه لمشاكل مالية مع البنوك لفترة طويلة.
ويجزم الظاهري بعدم تراجع الإيجارات السكنية خلال العام الجاري موضحا أنه لا يتوقع تراجع أو زيادة في الإيجارات بل استقرار الأسعار الحالية.
الوحدات الشاغرة
ويستبعد محمد مهنا القبيسي رئيس مجلس إدارة شركة منازل العقارية، أن يحدث تراجع في الإيجارات في أبوظبي على الأقل نهاية العام الجاري، لافتاً إلى أن هذا التراجع لو حدث فسيكون في عام 2017 وقد لا يكون هناك تراجع في الإيجارات من الأساس.
ويوضح أن الشواغر السكنية في أي سوق عقاري في العالم موجودة لأسباب متعددة منها عدم اكتمال إجراءات دخول الوحدات العقارية للسوق، أو وقوعها في مناطق تفتقر إلى الخدمات المتكاملة، وعلى أية حال فإن السوق يدخل ويخرج منه مستأجرون يومياً وهذا شيء طبيعي ونسبة الشواغر المعقولة تتراوح بين 15% إلى 20%.
ويؤكد أن ظاهرة الإيجارات المرتفعة ستستمر في أبوظبي على مدار السنوات المقبلة، موضحاً أن السبب في ذلك يرجع لوجود اختلال في السوق العقاري ظهر واضحاً خلال السنوات العشر الماضية، حيث نشأت شركات عقارية كبرى تولت لاحقا جزءا كبيرا من مسؤوليات دائرة المباني التجارية (لجنة خليفة) وكثفت هذه الشركات مشاريعها العقارية في الإسكان الفاخر المتميز الذي يقع في مناطق خلابة جداً، ولم تقم هذه الشركات بدور دائرة المباني التجارية التي كانت تبني إسكاناً متوسطاً وأعلى من المتوسط لتلبية احتياجات العمالة الجديدة في الدولة، الأمر الذي أوجد نقصاً واضحاً تزايد مع مرور السنوات في الإسكان المتوسط، ولذلك ارتفعت الإيجارات السكنية لأن المعروض المطلوب تراجع بشكل واضح.
إشغال كبير
ويؤكد طلال الذيابي الرئيس التنفيذي للتطوير في شركة الدار العقارية في أبوظبي، أن آلية العرض والطلب تتواجد في سوق أبوظبي وهي الحاكمة له، مشيراً إلى أن الإقبال من المستأجرين على الوحدات العقارية التي تؤجرها الشركة كبير للغاية رغم ما يردده البعض من ارتفاع إيجاراتها، ونسب الإشغال في الوحدات السكنية للشركة في أبراج البوابة وصن وسكاي تاورز في جزيرة الريم وبرج محمد بن راشد وغيرها مرتفعة جدا وتزيد على 98% وأحيانا تصل إلى 99% أو 100%، كما تصل نسبة الإشغال في مكاتب شركة الدار نحو 95% بينما نسبة الإشغال الكلية في الأبراج المكتبية في السوق تتراوح بين 75% و80%.
وأضاف طلال الذيابي إن المواقع المتميزة للوحدات السكنية والأبراج المكتبية لشركة الدار متميزة جداً من ناحية الإنشاءات والتصاميم والمواقع. ويتساءل ما الذي يدفع الشركة وهي شركة استثمارية لأن تؤجر بقيم إيجارية أقل طالما لديها قوائم انتظار بالقيمة التي تحددها وربما أعلى، أضف إلى ذلك أن تكلفة مبانيها مرتفعة.
زيادة المعروض
إلا أن المهندس عبد الرحمن العفيفي الرئيس التنفيذي شركة تمكن العقارية يؤكد أن الملاك سواء بصورتهم القديمة كأشخاص أو بصورتهم الجديدة كشركات وبنوك يتحكمون في قيم الإيجارات، ومنذ سنوات والمعروض يزيد بشكل كبير، سواء في جزيرة الريم أو شاطئ الراحة أو السعديات أو داخل وخارج مدينة أبوظبي، إلا أن غالبية المستأجرين لا يرون تأثيراً واضحاً لهذا المعروض الزائد في السوق.
وقال: المستأجرون لا يزالون يأملون في تراجع الإيجارات، ونتوقع أن تتراجع الإيجارات خلال النصف الثاني من العام الجاري لأن البنوك والملاك لن يتحملوا تأثيرات تراجع أسعار النفط على الاقتصاد أكثر من ستة أشهر تالية وسيواجهون ضغوطاً حقيقية، لكنني أتوقع أن تكون نسبة التراجع محدودة وقد ترتفع مع بداية العام المقبل.
ويؤكد الرئيس التنفيذي لشركة تمكن العقارية أن العامين الماضيين شهدا ارتفاعاً كبيراً في الإيجارات خاصة بعد إلغاء العمل بنسبة الزيادة السنوية 5% التي حددها المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، ورفع بعض الملاك الإيجارات 100% وآخرون 70% ولم يكن هناك مؤشر يمكن الرجوع إليه للحكم على زيادة إيجار مبني دون غيره، ولا شك لو تراجعت الإيجارات العام الجاري أو المقبل فستكون نسبة التراجع محدودة وقد لا تتجاوز 10% والشهور المتبقية من العام الحالي ستكون حاسمة.
وينوه إلى أن بعض الدوائر الحكومية في أبوظبي بدأت في تخفيض المخصصات السكنية لموظفيها، كما أن هناك شركات تعيد هيكلة أعداد موظفيها بحيث يتم الإبقاء على عدد أقل من الموظفين لإنجاز المشاريع المكلفة بها وعدم التوسع في عدد الموظفين وبلا شك فإن هذه الإجراءات ستؤدي إلى زيادة المعروض من السكن خاصة السكن المتوسط بنوعيه الجديد والقديم في أبوظبي.
تدخل
اعتبرالمهندس عبد الرحمن العفيفي أن الحل الوحيد لتحديد نسبة الزيادة الإيجارية، يكمن في ترك آلية العرض والطلب إضافة إلى طرح مؤشر عقاري يحدد للملاك القيمة الإيجارية المناسبة لوحدات مبانيهم السكنية، وأن يأخذ هذا المؤشر في اعتباره مساحة الوحدة السكنية وموقعها ومميزاتها.

ارتفاع الإيجارات التجارية يزيد تكلفة السلع
الوضع في الوحدات التجارية والمكتبية مشابه تقريباً للوضع في الإيجارات السكنية، فعلى الرغم من أن سوق أبوظبي يشهد زيادة كبيرة في مساحات المكاتب التي سترتفع مع نهاية العام الجاري إلى أكثر من 3.6 ملايين متر مربع بعد أن شهدت زيادة بلغت مليون متر مربع خلال الثلاثة أعوام الماضية إلا أن إيجارات المكاتب والمراكز التجارية مازالت مرتفعة وهو الأمر الذي ينعكس على التكلفة التشغيلية للمحلات والمنشآت التجارية ومن ثم أسعار السلع والمنتجات التي يتم تحميلها على المستهلك في النهاية ضمن التكلفة الإجمالية والمصروفات الخاصة بالمنشأة.
أسعار المنتجات
ويقول إبراهيم عبد الله البحر الرئيس التنفيذي لجمعية أبوظبي التعاونية إن إيجارات فروع الجمعية في أبوظبي لم تنخفض ومازالت كما هي مرتفعة موضحاً أن الزيادة تشكل ضغطاً حقيقياً يؤدي إلى زيادة تكلفة أسعار السلع والمنتجات الغذائية والكمالية التي تبيعها الجمعية.
ويلفت إلى أن الإيجارات تستحوذ على نسبة كبيرة من تكلفة أي سلعة كما أن سبباً قوياً ومؤثراً في زيادة نسب التضخم في الإمارة وارتفاع الأسعار. ويقول إبراهيم عبد الله البحر إن أسعار الإيجارات حالياً أهم من ارتفاع أسعار البترول بالنسبة للتجار والمستهلكين وإذا انخفضت الإيجارات فمن المؤكد أن تنعكس بصورة إيجابية على أسعار السلع والبضائع والمنتجات بصورة عامة وخفض التضخم وتكلفة المعيشة.
ويوضح أن الجمعية تبحث عن فروع جديدة لمقرات الجمعية، مشيراً إلى أن هذا البحث لا يعني التخلي عن الفروع القديمة بل لسبب الانتشار والتوسع في سوق تنافسي قوي، ولو تراجعت الإيجارات فسوف يظهر هذا واضحاً على أسعار السلع، وعلى أية حال فإن الجمعية تزيد من دعمها للسلع وتنفذ مبادرات قوية لخفض الأسعار. ويرى الرئيس التنفيذي لجمعية أبوظبي التعاونية أن الإيجارات السكنية في جزيرة الريم في أبوظبي بدأت تدخل مرحلة التراجع، مشيراً إلى أن الأسبوع الماضي تأكد من تراجع وحدات سكنية في جزيرة الريم من 145 ألف درهم إلى 125 ألف درهم.
وسطاء: ملاك يرفعون الإيجارات رغم ضعف الطلب
قال مسؤولو شركات ومكاتب الوساطة العقارية في أبوظبي، إن الملاك أحد الأسباب الرئيسية وراء استمرار الإيجارات على مستويات مرتفعة.
ويرى طاهر رضا مدير شركة أفاندا للوساطة العقارية وإسلام ورد المدير الإداري بشركة سكاي لاين للوساطة العقارية في أبوظبي، أن هناك وحدات سكنية كثيرة في أبوظبي وجزيرة الريم لا تزيد قيمتها الإيجارية على 85 ألف درهم ويرفض ملاكها سواء المواطنون أو المقيمون تأجيرها بأقل من 95 ألف درهم أو 105 آلاف درهم، وذلك على الرغــم مــن محدوديــة الطلــب عليهــا.
ويقول طاهر رضا إن الملاك يرفعون قيم الإيجارات ولا يجدون من يستأجر، ويفضلون إبقاء وحداتهم السكنية فارغة عدة أشهر، كما أن هناك شركات عقارية ووساطة عقارية تقنع الملاك بضرورة تأجيل التأجير ويوافق الملاك على ذلك بسبب تنوع استثماراتهم وعدم حاجتهـم العاجلة إلــى تأجيــر هــذه الوحـدات.
ويتوقع طاهر أن يصمد الملاك إلي نهاية العام الجاري أو بداية العام المقبل إلى أن تتضح بصورة جلية ملامح نتائج تراجع أسعار النفط على السوق العقاري في أبوظبي.
ويؤكد إسلام ورد أن المعروض من الوحدات السكنية يتزايد بشكل كبير، لافتاً إلي أن هذه الزيادة ستؤدي لاحقاً إلى تراجع الإيجارات لكن هذا التراجع لن يكون كبيراً وسيتراوح بين 5% و10%، ولن يكون تراجعاً كبيراً خاصة أن الطلب حالياً على السكن المتوسط وغالبية السكن المطروح أو الذي يتم تنفيذه من الإسكان الفاخر.

Share this post